ابن كثير

241

البداية والنهاية

الدهر ، وكان يعاتب فيقال : لو أيقظت بعض الخدم ؟ فيقول : لا ! الليل لهم يستريحون فيه . وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه ، وهو في بيت مغلق عليه ، ولا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه رضي الله عنه . شئ من خطبه قال الواقدي : حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس أول كل مركب صعب ، وإن بعد اليوم أياما ، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها ، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله ( 1 ) . وقال الحسن : خطب عثمان فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ! اتقوا الله فإن تقوى الله غنم ، وإن أكيس الناس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، واكتسب من نور الله نورا لظلمة القبر ، وليخش عبد أن يحشره الله أعمى ، وقد كان بصيرا ، وقد يلقى الحكيم جوامع الكلم ، والأصم ينادي من مكان بعيد ، واعلموا أن من كان الله له لم يخف شيئا ، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده ؟ . وقال مجاهد : خطب عثمان فقال : ابن آدم ! اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا ، وكأنه قد تخطى غيرك إليك ، وقصدك ، فخذ حذرك ، واستعد له ، ولا تغفل فإنه لا يغفل عنك ، واعلم ابن آدم إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها لم يستعد لها غيرك ، ولابد من لقاء الله ، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك والسلام . وقال سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه . قال : آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة " إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ، ولم يعطكموها لتركنوا إليها ، إن الدنيا تفنى وإن الآخرة تبقى ، لا تبطرنكم الفانية ، ولا تشغلنكم عن الباقية ، وآثروا ما يبقى على ما يفنى ، فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله ، اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه ، ووسيلة عنده ، واحذروا من الله الغير ، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا * ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) * إلى آخر الآيتين ( 2 ) . فصل قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، ثنا محمد بن قيس الأسدي ، عن موسى بن طلحة .

--> ( 1 ) طبقات ابن سعد 3 / 62 . العقد الفريد 2 / 133 وذكر الطبري في تاريخه خطبة أخرى لما بايعه أهل الشورى . كانت مثالا في الزهد واحتقار الدنيا وعدم الركون إليها ( الطبري 5 / 43 ) . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 103 ، والخطبة في تاريخ الطبري 5 / 149 .